تنمية الثقافة وتمكين الشباب ركيزة أساسية لبناء مجتمعات مستدامة

أكَّد المتحدثون خلال جلسة “بناء سياسات المعرفة” في ثاني أيام الدورة العاشرة من قمَّة المعرفة، على أهمية إدارة المعرفة وترجمتها بطريقة فعالة، بما يجعلها منصة إنتاج حقيقية، قادرة على دعم المجتمعات لمواجهة التحديات المحلية والدولية، والعمل على تمكين الشباب وتفعيل دور اللجان الوطنية لتحقيق التنمية المستدامة
أكَّد معالي الدكتور محمد زين العابدين، رئيس قطاع الثقافة في الإيسيسكو، أن العالم الإسلامي يواجه نقصاً حاداً في المؤشِّرات الثقافية الأساسية، إذ أن ٣١ دولة منها ١٣ دولة عربية من أصل ٥٤ لا تمتلك مؤشِّراً ثقافياً، بينما تفتقر ٤٣ دولة إلى بيانات الناتج المحلي الإجمالي الثقافي، وبينما تفتقر ٣٤ دولة إلى مؤشِّر التشغيلية الثقافية، مؤكِّداً أن مجتمع المعرفة لا يمكن أن يتطور دون الناتج المحلي الإجمالي
وأوضح أن هذه الفجوات تعطل تنمية مجتمع المعرفة، مؤكِّداً أن الإيسيسكو تعمل على بناء مقاييس حديثة للسياسات الثقافية وإطلاق هدف التنمية الثقافية الثامن عشر، وشدد على أن الثقافة طرح إنساني سياسي اجتماعي لتطور البشرية، مشيراً إلى أن تجاوز غياب الثقافة يتطلب عملاً منهجياً يقوم على الإحصاء والدراسة وصياغة سياسات ثقافية مستدامة ومتكاملة دائماً
من جهته ذكر معالي أسامة هيكل، رئيس قطاع الإعلام والاتصال في الايسيسكو، أن الأصل في التواصل هو نقل الحقيقة، إلا أن منصات التواصل الاجتماعي أعادت تشكيله بصورة مقلقة، إذ كشف معهد رويترز عام ٢٠٢٥ أن ٧٢٪ من مستخدمي الإنترنت يرون الأخبار الزائفة تهديداً مباشراً للمجتمعات، فيما باتت الهواتف والإنترنت المصدر الرئيسي للمعلومات لدى نصف شباب العالم
وأوضح أن الخداع المعلوماتي والتزييف أصبحا من أخطر التهديدات قصيرة المدى، بينما يعجز ٦٠٪ من المستخدمين عن التمييز بين الخبر الحقيقي والزائف، مشيراً إلى أن الخوارزميات توجه المحتوى المثير في اتجاه معين لسهولة الوصول إلى المعلومات المضللة، وتزيد انتشار التضليل بنسبة ٢٣٪، كما يسهم الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى زائف بصور وأصوات حقيقية، لافتاً إلى أن ٧٠٪ من شباب المنطقة يعتمدون على المقاطع المصورة القصيرة، وأن ٦٣٪ من صناع المحتوى لا يتحققون من مصادرهم، ودعا إلى تعاون مؤسَّسات الدولة كافة لمواجهة هذه التحديات، وذلك بتعزيز الشفافية والوعي الإعلامي، وتمكين المتلقي من المعرفة الإعلامية، والتوازن بين حرية التعبير ومسؤولية المحتوى لحماية المجتمعات من مخاطر التضليل المتصاعد
وتحدَّث الدكتور أحمد بن عبدالله البنيان، مدير مركز الترجمة والنشر بمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو) عن أن التحدي لم يعد في نقص المعرفة بل كيفية إدارتها، موضحاَ أن الإيسيسكو تعتمد الحوكمة أساساً لمشروعها المعرفي عبر بناء منظومة ترجمة ونشر متعددة اللغات تقوم على معايير دولية وتضمن وصولاً عالمياً للمحتوى، والتحول الرقمي في صناعة نشر معرفي مفتوح ويرتكز العمل على تعزيز الإنتاج، وبناء قواعد بيانات مصطلحية مشتركة، وتقديم ترجمات متزامنة، وتأسيس تحالفات نشر بين الدول الأعضاء
كما طور الإيسيسكو مستودعاً رقمياً مفتوحاً يربط الجامعات والمراكز البحثية، وتوظف فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي في الترجمة والكشف عن الانتحال والتضليل، وتشمل الجهود أدلة تحرير موحدة ولجان مراجعة مستقلة، ضمن رؤية تهدف إلى نشر مفتوح يعزز المعرفة والتنمية المستدامة، ويسهم هذا المشروع في بناء منصات معرفية قوية تدعم الدول الأعضاء وتعزز حضورها الدولي
وحول تنمية الثقافة في المنظومة البيئية أكَّد معالي أنار كريموف، وزير الثقافة الأذري السابق ورئيس الشراكات في الإيسيسكو، أن بناء المعرفة الوطنية يمثِّل الأساس الأهم لمسار التنمية، مسلطاً الضوء على ضرورة انتقال دول العالم الإسلامي من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها عبر شراكات قائمة على الثقة والشفافية والأدلة
وأوضح أن الشباب الذين يشكلون ٦٠٪ من المجتمع هم المحرك الأساسي لأي تطوير، ما يستدعي تعزيز دورهم وتمكينهم، مع أهمية تبادل البيانات بين الدول لدعم حلول أعمق وأسرع للتحديات المشتركة، مؤكِّداً أن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصراً حاضراً لا غنى عنه، وأن الإيسيسكو تعمل على تطوير شراكات وإطار أخلاقي يضمن استفادة الدول الأعضاء منه بشكل فعال ومستدام
اللجان الوطنية
وأكَّد معالي تيمور سليمانوف، مساعد رئيس جمهورية تتارستان أن تمكين الشباب والعقول الصغيرة يتطلب مشاركة جميع مكونات المجتمع، مع التركيز على القيم والمعرفة كأساس للتنمية المستدامة وبناء مستقبل عادل، وأن المبادرات التعليمية والأنشطة المجتمعية والفنون والمسرح والموسيقى والرياضة، بما فيها الرياضة الإلكترونية، تساهم في تشكيل قيم وسلوكيات الشباب منذ الطفولة
وأشار إلى نجاح لجنة الشباب في تتارستان التي تضم أكثر من ٣٠٠ ألف مشارك، وفرق عمل إبداعية تعزز المسؤولية والمشاركة الفاعلة، مؤكداً أن الهدف هو تحويل المجتمع من مستهلك للمعرفة إلى صانع لها، عبر ترسيخ العمل الجماعي، وبناء قدرات قيادية، وتعزيز التعاون الدولي، وتمكين الشباب لدورهم في التعليم والثقافة والعلوم، مع دعم مؤسَّسات مثل الإيسيسكو



