عائلتي تقرأ.. نموذج معرفي من دبي يبدأ من الأسرة ويصنع الأثر المجتمعي

في وقتٍ يشهد فيه العالم والمنطقة تحولات متسارعة تتقاطع فيها الأزمات مع الثورة الرقمية المتسارعة، تزداد الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى الاستثمار في الإنسان بوصفه الركيزة الأساسية للاستقرار والتنمية وصناعة المستقبل. ومع هذا الواقع المعقد، لم تعد المعرفة خياراً ثانوياً، بل أصبحت ضرورة استراتيچية لبناء مجتمعات قادرة على التكيف والصمود والتقدم
ومن رؤية دبي، التي رسَّخت مكانتها مركزاً عالمياً رائداً للمعرفة والابتكار، يتجسَّد نموذج تنموي متكامل يقوم على الاستثمار في الإنسان أولاً، تُكرِّس مؤسَّسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة دورها الريادي في ترسيخ مجتمعات المعرفة، انسجاماً مع رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي “رعاه الله” في بناء اقتصاد قائم على العلم والمعرفة، وتحويل التحديات إلى فرص تنموية مستدامة، وذلك من خلال مجموعة نوعية من المبادرات والمشاريع ومن أبرزها مبادرة “عائلتي تقرأ”، بوصفها نموذجاً عملياً يعيد تشكيل العلاقة مع المعرفة من داخل الأسرة، باعتبارها النواة الأولى لبناء الوعي الإنساني والاجتماعي
تنشئة جيل يبدأ من المنزل
في عالم اليوم، تتغلغل التكنولوچيا في تفاصيل الحياة اليومية، بينما تستحوذ منصات التواصل الاجتماعي على جزء كبير من وقت النشء والشباب، وغالباً ما تقدم محتوى سريعاً يفتقر إلى العمق المعرفي. وفي ظل هذا التدفق الهائل من المعلومات، تبرز الحاجة الملحة إلى تعزيز مهارات التفكير النقدي والتمييز والتحليل لدى الأفراد
وفي هذا الإطار، تأتي مبادرة “عائلتي تقرأ” كاستجابة استراتيچية لهذا الواقع، لا باعتبارها مشروعاً معرفياً تقليدياً، بل كمنظومة تهدف إلى بناء جيل قارئ واعٍ، يمتلك أدوات المعرفة، وقادر على التفاعل مع المتغيرات العالمية بثقة وفهم أعمق. إذ تعمل المبادرة على ترسيخ عادة القراءة اليومية داخل الأسرة، وتحويلها إلى ممارسة حياتية مشتركة تعزز التفاعل الفكري بين أفرادها
وتنطلق المبادرة من رؤية متكاملة تهدف إلى ترسيخ عادة القراءة لدى مختلف أفراد المجتمع، عبر توفير باقات نوعية من الكتب تُوزع على الأسر المستهدفة، وتتميز بقيمتها العالية ونجاحها العالمي وترجمتها إلى اللغة العربية. وتغطي هذه الإصدارات مجالات متعددة تشمل الإدارة، والتاريخ، والتراث، وقصص النجاح، بما يسهم في توسيع آفاق المعرفة وتعزيز المخزون الثقافي للقارئ
وبهذا، تعيد المبادرة الاعتبار لدور الأسرة بوصفها الحاضنة الأولى لتشكيل الوعي، من خلال تحويل القراءة من نشاط فردي إلى تجربة جماعية تشاركية، تقوم على تخصيص أوقات منتظمة للحوار والنقاش حول المحتوى المقروء، بما يعزز الروابط الأسرية ويخلق بيئة محفزة إلى التعلم المستمر. حيث تؤكِّد تقارير اليونسكو أن تنمية مهارات القراءة في المراحل المبكرة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتحسين مخرجات التعليم، وتعزيز فرص النمو الاقتصادي والاجتماعي، وهو ما يعكس الأثر العميق الذي تستهدفه المبادرة على المدى الطويل
القراءة كحوار حي داخل الأسرة
لا تقتصر المبادرة على إتاحة الكتب، بل تسعى إلى تحويل القراءة إلى ممارسة تفاعلية داخل الحياة اليومية، من خلال خلق مساحات للحوار وتبادل الآراء داخل الأسرة. وهنا تتحول القراءة من نشاط فردي صامت إلى تجربة حوارية ثرية، تسهم في تطوير مهارات التعبير وتعزيز الثقة الفكرية لدى مختلف الفئات العمرية. وتكتسب هذه الممارسة أهمية إضافية، كونها تسهم في بناء جيل يمتلك القدرة على التفكير النقدي، وفهم المعلومات، والتمييز بين المعرفة الحقيقية والمحتوى السطحي
ويمتد أثر المبادرة عبر شبكة من الشراكات مع الجهات الحكومية والخاصة، التي تسهم في دعم المحتوى وتنظيم برامج مرافقة تعزز الحضور المجتمعي للفكرة. إلى جانب المؤسَّسات التعليمية التي تلعب دوراً محورياً في ترسيخ هذا التوجه، من خلال تشجيع الطلبة على نقل تجربتهم القرائية إلى محيطهم العائلي، ما يخلق دائرة تأثير متنامية تتجاوز حدود الفرد لتشمل المجتمع بأكمله. ويعكس هذا التكامل نموذجاً تنموياً متقدماً يقوم على تضافر جهود الأسرة والمدرسة والمؤسَّسات، بما يضمن بناء منظومة معرفية مستدامة
دبي نموذج عالمي للاستثمار بالمعرفة في صناعة المستقبل
وفي الوقت الذي تواجه فيه العديد من المجتمعات تحديات تؤثِّر في استمرارية التعليم وجودة المعرفة، تواصل دبي ترسيخ مكانتها كنموذج عالمي رائد في الاستثمار بالمعرفة والابتكار من خلال مبادرات نوعية مثل: “عائلتي تقرأ”، حيث لا يقتصر الأثر على النطاق المحلي، بل يمتد ليعكس تجربة قابلة للتكرار عالمياً، تؤكِّد أن الاستثمار في الإنسان هو الطريق الأكثر استدامة للتنمية
وبهذا الطرح المتكامل، تفتح مبادرة “عائلتي تقرأ” أفقاً جديداً لإعادة تشكيل العلاقة مع المعرفة داخل الفضاء الأسري، حيث تنمو الاهتمامات وتتبلور القناعات، ويتأسس وعي قادر على التفاعل مع العالم بثقة وعمق، بشكل يؤكِّد أن بناء المستقبل يبدأ من داخل كل بيت، وأن أسرة تقرأ هي أساس مجتمع يفكر ويبدع ويقود




